يدير مفتاحة فى الباب ثلاث مرات بطيئة ليستمتع بسماع صوت تخبط المفاتيح , ينفتح الباب لكنه يظل واقفاً فى الممر أمام شقته ينظر إلى الظلام الساكن بها , بعد عدة دقائق يقرر الضغط على مفتاح الإضائة ليظهر معالم بيته , يتقدم خطوتان و يغلق الباب لكنه يظل واقفاً يمعن النظر فى كل موضع أمامه لا يصدق أن هذا المكان عاش فيه أخر عشرة سنوات من حياته , هذا المكان كان و لفترة طويلة حلماً يسعي لتحقيقة بكل طريقة ممكنه , هذا المكان بالنسبة له هو إعلان إستقلاله عن أى شيء يمكن أن يتدخل فى حياته و أى شخص يريد التحكم فى مساره , هذا المكان بالنسبة له كان رمز لحريتة الشخصية و بداية حياته المستقلة , و لكن أين هى هذه الحياه .
بعد تقدمه عدة خطوات آخرى و جد نفسة أمام مكتبة و بطريقة لا إرادية فتح درج مكتبة الآخير ليخرج منه علبة سجائره الغالية و أخرج منها أحد سجائرها وهو يعلم أنها أخر سيجارة سوف يدخنها للأبد , أخذها مع قداحته الغالية هى الآخرى ليجلس على كرسية الخشبى داخل تراس شقته الكبير , عدل من وضع الكرسي فهذه المره ليس فى حاجه ليرى المدينة هذه اللحظات الأخيرة يجب أن يقضيها مع شقتة , جلس على الكرسي و أشعل سيجارته و أخذه ينظر إلى الآركان .
كان يتذكر أن هذه الشقة كانت أوسع من ذلك و لكن ما الغريب فكل شيء الآن أصبح ضيق .
أخذ يتذكر أخر ثلاث أشهر فى حياته و كيف قضاها فى المشفى وحيداً بعد ما أكتشف أنه مصاب بسرطان الرئه و في مرحلة متأخره , ما زال مقتنع حتى الآن أن الخبر لم يصل بعد إلى عائلته , أبتسم قليلاً وهو يتذكر كيف كان يسعى بكل الطرق للهرب من عائلته و عشق الوحده حتى أنه و بعد سنواته الخمس و الثلاثون لم يتزوج هرباً من أى شيء يقف بينه و بين حريته و أستقلاله .
أبتسامته كانت ساخره لأنه و طوال الثلاث أشهر الماضيه كان يتمنى كل ساعه أن لا يكون وحيداً .
و سريعاً دفنت أبتسامته عندما تذكر أصدقائه الذى لم يكن ينتظر منهم الكثير , و لكن لا شيء على الأطلاق كان أمراً صعباً .
الأن عاد ليرى ما خرج به من حياته , حياة الحرية و الأستقلال , لم يخرج بأهل ولا زوجه و أطفال ولا حتى أصدقاء , بل خرج بهذه , هذه الشقة الكئيبة رمز الحرية و الأستقلال , فكانت هى من يستحق مشاركتة فى لحظاته الأخيرة .
و قبل أن تنتهي سيجارتة أخرج من صدره دخانها و خرجت معه روحه الوحيده .






